أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
69
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ل « عشيّة » ، أي : أن هذا اللفظ فيه لغتان التذكير والتأنيث ، أو أن « عشيّا » جمع « عشيّة » في المعنى على حد « قمح » و « قمحة » و « شعير » و « شعيرة » ، فيكون اسم جنس ؟ خلاف مشهور ، والظاهر الأول ، لقوله تعالى : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ ، إذ المراد هنا : عشيّة واحدة . واتفقت مصاحف الأمصار على رسم هذه اللفظة : « الغدوة » بالواو ، وقد تقدم لك أن قراءة ابن عامر ليست مستندة إلى مجرد الرسم ، بل إلى النقل ، وثمّ ألفاظ اتفق أيضا على رسمها بالواو ، واتفق على قراءتها بالألف ، وهي : الصلاة ، والزكاة ، ومناة « 1 » ، ومشكاة « 2 » ، والربا « 3 » ، والنجاة « 4 » ، والحياة « 5 » وحرف اتفق على رسمه بالواو ، واختلف في قراءته بالألف والواو ، وهو « الغداة » . وأصل : « غداة » غدوة ، تحركت الواو ، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا . وقرأ ابن أبي عبلة « بالغداوات والعشيات » جمع « غداة » و « عشيّة » ، وروي عن أبي عبد الرحمن أيضا : « بالغدوّ » بتشديد الواو من غيرها . قوله : « يُرِيدُونَ » هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل « يَدْعُونَ » ، أو من مفعوله ، والأول هو الصحيح . وفي الكلام حذف ، أي : يريدون بدعائهم في هذين الوقتين وجهه . قوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ « ما » هذه يجوز أن تكون الحجازية الناصبة للخبر ، فيكون « عَلَيْكَ » في محل النصب ، على أنه خبرها ، عند من يجوز إعمالها في الخبر المقدم ، إذا كان ظرفا ، أو حرف جر . وأما إذا كانت تميمية ، أو منعنا إعمالها في الخبر المقدم مطلقا كان « عَلَيْكَ » في محل رفع خبرا مقدما ، والمبتدأ هو « مِنْ شَيْءٍ » زيدت فيه « مِنْ » وقوله : « مِنْ حِسابِهِمْ » قالوا : « مِنْ » تبعيضية ، وهي في محل نصب على الحال ، وصاحب الحال هو : « مِنْ شَيْءٍ » ، لأنها لو تأخرت عنه لكانت صفة له ، وصفة النكرة متى قدمت انتصبت على ، فعلى هذا يتعلق بمحذوف ، والعامل في الحال الاستقرار في « عَلَيْكَ » ، ويجوز أن يكون « مِنْ شَيْءٍ » في محل رفع بالفاعلية ، ورافعه « عَلَيْكَ » ، لاعتماده على النفي ، و « مِنْ حِسابِهِمْ » حال أيضا من شيء ، والعامل فيها ، والتقدير : ما استقر عليك شيء من حسابهم . وأجيز أن يكون « مِنْ حِسابِهِمْ » هو الخبر إمّا ل « ما » ، و « عَلَيْكَ » حال من « شَيْءٍ » ، والعامل فيها الاستقرار ، وعلى هذا فيجوز أن يكون « مِنْ حِسابِهِمْ » هو للفاعل على ذاك الوجه ، و « عَلَيْكَ » حال أيضا كما تقدم تقريره . وكون « مِنْ حِسابِهِمْ » هو الخبر ، و « عَلَيْكَ » هو الحال غير واضح ، لأن محط الفائدة إنما هو « عَلَيْكَ » . وقوله : « وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ كالذي قبله ، إلّا أن هنا يمتنع بعض ما كان جائزا هناك ، وذلك أن قوله : « مِنْ حِسابِكَ » لا يجوز أن ينصب على الحال ، لأنه يلزم تقدمه على عامله المعنوي وهو ممتنع ، أو ضعيف ، لا سيما وقد تقدمت هنا على العامل فيها ، وعلى صاحبها . وقد تقدم « 6 » لك أن الحال إذا كانت ظرفا أو حرف جر ، كان تقديمها على العامل المعنوي أحسن منه إذا لم يكن كذلك . لك أن تجعل قوله : « مِنْ حِسابِكَ » بيانا ، لا حالا ولا خبرا ، حتى تخرج من هذا المحذور . وكون « مِنْ » هذه تبعيضية غير ظاهر . وقدم خطابه صلّى اللّه عليه وسلّم في الجملتين تشريفا له ، ولو جاءت الجملة الثانية على نمط الأولى لكان التركيب : وما عليهم من حسابك من شيء ، فتقدم المجرور ب « على » كما قدمته في الأولى ، لكنه عدل عن ذلك لما
--> ( 1 ) سورة النجم ، آية ( 20 ) . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 35 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآيات ( 275 ، 276 ، 278 ) وفي آل عمران ( 130 ) وفي النساء ( 161 ) . ( 4 ) من سورة غافر ، آية ( 41 ) . ( 5 ) من سورة النساء ، آية ( 74 ) . ( 6 ) انظر الآي ( 36 ) من سورة البقرة و ( 97 ) من سورة آل عمران .